معرفة معنى المعنى

معرفة المعنى ودلالته .

قبلَ البدءِ في أيّ دراسةٍ أو بحثٍ يجبُ الأخذُ بعينِ الاعتبارِ مَعنى المصطلح المُستخدَم وأهميّة  في التّعبير  ووضعِ المُصطلحاتِ في مَكانها الصّحيح، ففي بعض الدّراسات أو النقاشاتِ يتمُّ استخدامَ مصطلحات للتعبير عن حَدَثً ما وَيكون المُصطلح دالّ على أمر آخر ،وبالتّالي فإنّ مَعرفةَ المُصطلح مُؤَشر على ما هو ضروري حتّى يتمّ إيصالِ الفكرةَ المرادةَ بالصورةِ الصحيحةِ وتجنُّبِ الوقوع في الانتقاداتِ وتحليلِ الدّراسة بالطريقةِ العلميّةِ الصحيحةِ القائمة على الأسلوبِ العلميّ من أجلِ الوصول إلى دراسةٍ أو نقاشٍ قائم على المنطق الذي يهدفُ إلى توضيحِ الشيءِ وبيانِ معناه . وبالتّالي فإنّنا بتعلّمنا قواعدَ المنطقِ نستطيعُ أن ننقدَ الأفكارَ والنظريّات العلميّة فنتبيّنَ أنواعَ الأخطاءِ التي يمكنُ أن نقعَ  فيها ونتعرّفَ على أسبابِها وبالتّالي فهما ينمّي الروحَ النقديةَ لدى دارسيه أو مُحبّيه.

من الواضحِ أنّ معظمَ العلومِ هي نتاجُ التّفكيرِ الإنسانيّ، ومن الواضحِ أيضاً أنّ الإنسانَ حينما يُفكّر قد يهتدي إلى نتائجَ صحيحة ومقبولة وقد ينتهي إلى نتائجَ خاطئة وغير مقبولة. فالتفكيرُ الإنسانيّإذنمعرّضٌ بطبيعتِه للخطأ والصّواب، ولأَجلِ أنْ يكونُ المصطلح سليماً وتكونُ نتائجُه صحيحة، أصبحَ الإنسانُ بحاجةٍ إلى قواعدَ عامّة تهيئُ له مجالَ التّفكير الصحيح متى سار على ضوئها.[1]

الاستقراءُ أو الاستدلالُ الاستقرائيّ أو أحيانًا المنطق الاستقرائيُّ (تصميم أسفل أعلى) هو أحدُ أشكالَ الاستدلالِ وبتعبيرٍ منطقيّ هو الاستدلالُ الذي ينتقلُ من الجُزئي إلى الكلّي. أي أنه الحكمُ على الكلي بما يُوجد في جزئياته جميعِها، وهو الاستقراءُ الصُّوَريُّ الذي ذهبَ إليهِ أرسطو وحدَه وسمّاهالقياس المقسّم Epagoge” أو الحكمُ على الكلي بما يُوجد في بعض أجزائه، وهو الاستقراء القائم على التّعميم. [2] ,

وينقسمُ إلى قسمين : استقراءٍ تامّ واستقراءٍ ناقص. وتبحثُ مباحثَ هذا الشّكل من الاستدلالِ في علمِ المنطق. ويجبُ الأخذُ بعينِ الاعتبار الفرقَ  بين الاستقراء و الاستنباط .

فالاستقراءُ هو الإستدلالُ من الخاصّ إلى العام وتكون فيه معطيات وعناصرَ الحُجَجِ المقدّمةِ تدعمُ الاستدلال النّهائي، لكنّها لا تؤكِدهُ بيقينٍ، أمّا الاستنباطُ هو الاستدلالُ من العامّ إلى الخاص، أي استخلاصُ نتيجةٍ من المعطياتِ المتوفّرة وافتراضِ علاقةٍ جديدةٍ تُسمّىالحدس العلمي، وتختبر لتصبحَ نظريةً أو قاعدةً أو قانونًا وذلك حسْبَ قيمةِ الإثباتِ ودرجةِ اليَقين.

تذهبُ المصادرُ إلى أنَّ كلمةَ الاستقراءِ في اللغةِ اليونانيّةِ تعني ( مؤدي )  وقد استخدمها أرسطو بمعنىما يؤدّي بالطّالب إلى الانتقال من الجزئي إلى الكُلي“(4)

وهذا يعني أن (الاستقراءَ) ما هو إلا حُكمٌ عقليٌّ ينقلُنا من قضيةٍ جزئيّةٍ إلى قضيّةٍ كليّة، والمقصودُ (بالجزئي) عند أرسطو ليس الفرد وإنّما النوع، وبالتّالي فإنّ الاستقراءَ، هو عمليّةٌ فكريّةٌ غيرَ خالصة، لا يكتفي العقل بنفسه، بل يلجأ لأمورٍ خارجية بناءً على قواعدَ (الملاحظةالتجربة) .

وبالتّالي، فإنَّ التّعبير الأصح في تصوّرِ شيءٍ لم يحدث بعد، يكونُ من خلالِ الاستقراء وليسَ كما نتصوَّر عن طريقِ التٔنبؤ بالمعنى الذي نفهمُهُ عن تصوّر أشياءَ لم تحدث بعد ،لذلك جاءت هذه الدّراسةُ من بابِ نقدِ الوَعي في استخدامِ مصطلحات ليست في مَكانها، فمثلًا التفرقة في النّبأ والنبوّة والنبؤة والتنبؤ تم توظيفِها  من أجلِ الوصولِ إلى أنّ هذهِ المصطلحات مقتصرة على علم الغيب، وبأنها تتعلقُ في اللهِ تعالى والرّسول عليه السلام  ، قال تعالى ( لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) [سورة النمل] وأيضًا قوله تعالى (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) [ سورة الجن ] . 

وبالتّالي، من أجلِ الوصولِ إلى أنّ مصطلحَ الاستقراءِ هو الأصحُّ للإنسانِ من التنبؤ، وبالتّالي في حالِ تصوّر مستقبلِ فلسطينَ على سبيلِ المثال يكونُ قائمًا على الاستقراءِ، وليس على التّنبؤ، وبالتّالي فإنّ هذه الدّراسةَ تهدفُ فقط إلى نقدِ الوعي في استخدامِ مُصطلحات ليست في مكانِها الصحيح للتّعبيرِ فيها عن موضوعٍ ما، ومن أجلِ هذا سنعملُ على توضيحِ كل من :

ما الفارقُ بينَ التّنبُؤ والنّبؤة والنبوّة و النّبأ ؟

(التنبؤ) محاولةُ كشفِ حالٍ لم يحين أوانَه ذهنيًّا كأنّ تحددُ حالَ الزّمنِ بعدَ عشرينَ سنةٍ، مثالٌ على ذلك، هِرتزل مُؤسِسُ الصهيونيّة الذي أعطى وعدًا بأنّه بعدَ خمسينَ عامٍ سوفَ نبني دولةً، وهذا ليسَ صحيحٌ، فإنَّ عمليّة الرؤية كانت قائمة على الاستقراء، وذلك لأنّ النّبأ جاء من التّنبؤ والتنبؤ جاء من النبؤة والنبؤة جاءت من النبوّة وهي تكون في الرّسولِ عليه السّلام .

و(النبؤة) إخباٌر قديمٌ ذُكرَ أنّه سيحصلُ بالمستقبل تنبَأَ به شخصٌ من الماضي، فمثلًا قالَ اللهُ تعالى في سورة الروم : ( ألم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ) ..

(النبوَّة) هي إخبارٌ غيبي لتأكيدِ نبوّة نبيٍّ، وظيفةُ الأنبياء  أخبرنا اللهُتعالىأنّ عيسىعليه السلامبشَّر برسولنا محمدصلى الله عليه وسلم-: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ من التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي من بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف: 6].

(النبأ) إخبارٌ غيبي عن علامات نهاية العالم، أو أحداثُ المستقبل، أو أخبارُ الماضي أو ما سيحدثُ بالعالم الحاضر، فمثلًا قال تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].

وبالتّالي، فإنَّ السلوكَ والقدرةَ العقليّةِ لدى الإنسانِ تواجه مشكلةً، بأنّه غيرَ ثابتٍ والسببُ في عدمِ ثباتِ السّلوك هو أن الإنسانُ غيرَ ثابتٍ في المعرفة، وبالتّالي عدم الثبات في التّصرّف، وبالتّالي في حالِ محاولةِ تصوّرِ حالٍ لم يحُلُّ بعد ( الصورة المستقبلية ) فإنَّ التّصورَ يكونُ قابلًا  للصواب أو الخطأ، وهذا التّصوّرُ يكونُ قائمًا على الاستقراء من خلال تحليلِ الأحداثِ التّاريخيّة سابقًا (الماضي) وصولًا إلى الحاضر (الواقع الذي نعيشه) واستنباط المستقبل (وضع صورة مستقبلية). وبالتّالي فإنّ هذا التّحليلَ يكونٰ قائمًا على الاستقراءِ وليس على التنبؤ، فإن التنبؤ أن تعرِفَ بشكلٍ يقيني (يقينًا) ماذا سيحدثُ في المُستقبل، وبالتّالي فإنّ استخدامَ مصطلحِ التنبؤ في حدثٍ ما على أمل أنْ يحدُثَ مستقبلًا لا يتّفق معَ مبدأ التنبؤ، لأن التبنؤ غير قابل لاحتمال الحدوث او عدمه، فالتّنبؤ يأتي من الغيبِ مباشرَة. ويكون ذا نتائجَ ثابتةٍ لِما سيحدُث في المُستقبل، وبالتّالي يختلفُ عن أنْ تدرسَ التّاريخ سابقًا والوصولِ إليه حاضرًا ومن ثم تصوّرِ المُستقبل، وبالتّالي النّبأ يتعلقُ في النّبي عليه السلام ، والنّبيُّ يختلفُ عن الإنسانِ في القُدرةِ العلميّة، لماذا؟، لأنّ اللهَّ أطلَع أنبياءَهُ عليه تاييدًا لهم، حيث قال تعالى : ((  عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) [سورة الجن] ، ولكنْ يجبُ أنْ نشيرَ أيضًا إلى موضوعٍ هامّ جدّا، بأنّ اللهُ عزّ وجلّ قد يبعثُ في إنسانٍ ما القدرة على تحليلِ الآياتِ القرآنيّة توضّحُ ماذا سيحدثُ مستقبلًا، وقدْ وضّحْنا ذلكَ في الآيةِ السّابقةِ بأن اللهَ يبعثُ فيهِ معرفةِ الغيبِ لتفسيرِ ماذا يحدثُ، وبالتالي فإنَّ المحرّكَ في ذلك هو الله ، وان الله هو الذي بعث فيه العلم والمعرفة .
 
قال تعالى:

( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )

( سورة البقرة )

المصادر والمراجع :

1ـ الدكتور عبد الهادي الفضلي ، خلاصة المنطق، ص9 .

2ـ المعجم الفلسفي (PDF,22\10\2017wikipedia) ،معجم اللغة العربية ,   ( ١٩٨٣م ـ ١٤٠ ه ) ، جمهرية مصر العربية القاهرة ـ الهئية العامة لشؤن المطابع الاميرية ،ص ١٢ .

3_https://ar.wikipedia.org/wiki/منطق .

4_ أرسطو طاليس ، منطق أرسطو ، تحقيق د. عبد الرحمن بدوي ، ج2، ص385

مقالة أولى على المدونة

هذه هي مقالتك الأولى تمامًا. انقر على رابط تحرير لتعديلها أو حذفها، أو بدء مقالة جديدة. استخدم هذه المقالة، إن شئت، لإخبار القراء عن سبب إنشاء هذه المدونة وما الذي تخطط للقيام به من خلالها. إذا كنت بحاجة إلى المساعدة، فاطلب ذلك من الأشخاص الودودين في منتديات الدعم.